لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون

مُساهمة من طرف eddirasa-dz في الثلاثاء 16 يونيو - 4:02

بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون
الصوم من أفضل العبادات وأجلِّ الطاعات، وجاءت بفضله الآثار، ونُقلت فيه بين الناس الأخبار.
فمن فضائله، بل على رأسها، كونه سبباً لتحصيل التقوى، وهو بذلك عبادة عظيمة لا غنى عن التعبد بها لله، ومن ثم كتبه الله - جل وعلا - على جميع الأمم وفرضه عليهم.
يقول الحق- تبارك وتعالى - في كتابه العزيز: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [البقرة: 183]، فالصيام عبادة قديمة فرضها الله على الأمم من قبلنا، وذلك أنه يؤدي إلى تقوى الله - جل وعلا -، وهو شيء يحتاج إليه جميع الناس في جميع العصور.
قال الحسن البصري - رحمه الله - في قوله - تعالى -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون): نعم والله، لقد كُتب الصيام على كل أمة قد خلت.
وقد روي عن معاذ وابن مسعود وابن عباس وعطاء وقتادة والضحاك أن الصيام الذي كانت عليه الأمم قبلنا من كل شهر ثلاثة أيام، وزاد الضحاك: لم يزل هذا مشروعاً من زمان نوح إلى أن نسخ الله ذلك بصيام شهر رمضان.
وقال ابن كثير - رحمه الله -: وقد كان هذا في ابتداء الإسلام، يصومون من كل شهر ثلاثة أيام، ثم نسخ ذلك بصوم شهر رمضان.
وقال ابن عمر - رضي الله عنهما - في قوله - تعالى -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ): كتب عليهم إذا صلى أحدهم العتمة ونام حرم عليه الطعام والشراب والنساء إلى مثلها.
وروي مثل هذا عن ابن عباس - رضي الله عنهما - وكثير من التابعين.
وإنما فرض الله - جل وعلا - الصيام على جميع الأمم لما فيه من زكاة النفوس وطهارتها وتنقيتها من الأخلاط الرديئة والأخلاق الرذيلة.. ولهذا جعله المصطفى - صلى الله عليه وسلم - وقاية من الوقوع في الفاحشة، فقال - صلى الله عليه وسلم -: ((يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء)).
ولهذا قال الله- تبارك وتعالى - مبيِّناً حكمة مشروعية الصوم وثمرته: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)، فهي غاية عظيمة كريمة من أجلها فرضه الله علينا، ألا وهي تحقيق تقوى الله - عز وجل -.
وقد ربط بعض العلماء ذلك بأن الصيام يضيق مجرى الدم، وإذا ضاق مجرى الدم قلَّ تسلُّط الشيطان على الإنسان؛ لأن المصطفى - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم))، ومن ثم فالصيام يعين على تقوى الله - عز وجل -، وتقوى الله - عز وجل - وإن كانت تتحقق أو تتم بفعل الأوامر واجتناب النواهي، إلا أن أصلها وأساسها وجذورها في القلب.. خشية.. حساسية... مراقبة لله - عز وجل -.. فإن الابتعاد عن المعصية يبدأ من اشمئزاز القلب منها ونفوره منها ورهبته من اقترافها؛ إجلالاً لله- تبارك وتعالى - الذي يراقبه، وفعل الأوامر يبدأ كذلك من تشوق القلب لها ورغبته فيها واهتمامه بها وحرصه عليها، ومن ثم قال - صلى الله عليه وسلم -: ((التقوى ها هنا)) ويشير إلى صدره ثلاث مرات.
فالقلب التقي قلب يقظ حي إذا ذكر الله حدث له وجلٌ وخوف.. قال ابن كثير - رحمه الله -: وهذه صفة المؤمن حق الإيمان، الذي إذا ذكر الله وجل قلبه، أي خاف منه، ففعل أوامره وترك زواجره.. وقال سفيان الثوري: سمعت السدي يقول في قوله - تعالى -: (إنَّمَا الْـمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ) [الأنفال: 2]: هو الرجل يريد أن يظلم، أو قال: يهم بمعصية، فيقال له: اتق الله، فيجل قلبه أي يخاف فيبتعد عن ذلك.. فهذا من علامات تقوى القلوب ودلائلها، فإن تقوى القلب تجعل صاحبه يكره ما حرمه الله ويبتعد عما نهى عنه، كما أنه يشتاق إلى ما أمر الله به، ويعظم حرمات الله وشعائر الدين ولا يتهاون بشيء من ذلك، (وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ) [الحج: 30]، (ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ) [الحج: 32].
فأصل التقوى كما ذكرنا في القلب.. ووجود أهل التقوى في القلب هو الذي يدفع العبد إلى أخذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه، ومن ثم يصلح حال العبد ظاهراً وباطناً، ولهذا قال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: ((ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب))، ولذلك اقتصر الله - جل وعلا - على ذكر سلامة القلب حين وعد بالفلاح فقال: (يَوْمَ لا يَنفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) [الشعراء: 88 - 89]، وذلك لأنه إذا كان القلب سليماً صالحاً فلا بد أن تكون الجوارح كلها سليمة صالحة كما أخبر المصطفى - صلى الله عليه وسلم - في الحديث.
إذن فأعظم التقوى وأصل التقوى في القلوب.
والله - جل وعلا - أراد أن يكون صيامنا طريقاً لتحقيق هذه التقوى وتحصيلها، وكذلك أخبر الرسول - صلى الله عليه وسلم - بضياع ثواب الصيام في الأحوال التي تدل على ضياع التقوى، وذلك لأن الصوم حينئذ لم يحقق غايته التي شرعه الله لها، ولم يتطهر به القلب، ولم تصفُ به النفس، ولم ترتبط بالله فتخشاه وتراقبه.. ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم -: ((من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه)).
وقال - صلى الله عليه وسلم -: ((رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع، ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر)).
وفي استقبال هذا الشهر المبارك أوصيكم ونفسي بتقوى الله - عز وجل -، التي لا يقبل غيرها، ولا يرحم إلا أهلها، ولا يثيب إلا عليها، فإن الواعظين بها كثير، والعاملين بها قليل، جعلني الله وإياكم من المتقين.
قال معاذ بن جبل - رضي الله عنه -: ينادى يوم القيامة أين المتقون؟ فيقومون في كنف من الرحمن، لا يحتجب منهم ولا يستتر..
فالتقوى شرف العبد في الدنيا والآخرة، ولذا كانت وصية الله للأولين والآخرين، وكانت وصية نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - لآله وصحبه أجمعين، وما زال الصحابة والتابعون والسلف الأولون يوصي بعضهم بعضاً بتقوى الله - جل وعلا -.
(وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإن تَكْفُرُوا فَإنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا) [النساء: 131].
فاتقوا الله عباد الله، اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، وتقوى الله حق تقاته كما قال ابن مسعود - رضي الله عنه -: أن يُطاع فلا يُعصى، وأن يُذكر فلا يُنسى، وأن يُشكر فلا يُكفَر.
فاتقوا الله، (وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)، (وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ) [آل عمران: 131]، (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) [آل عمران: 132]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) [الحشر: 18]، (وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) [البقرة: 281].
ومن أجمع وأجمل ما فسرت به التقوى أنها:
"الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والرضى بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل".
فأولها: الخوف من الجليل، وثانيها: العمل بالتنزيل، وثالثها: الرضا بالقليل، ورابعها: الاستعداد ليوم الرحيل.
أما الأمر الأول: فهو الخوف من الجليل، الخوف من رب العزة جل جلاله، خشيته - جل وعلا - في السر والعلانية، والخوف من أليم عقابه، وأفضل الخلق وعقلاؤهم هم الذين يخافون الله - جل وعلا -، فالأنبياء مقالتهم: (إنِّي أَخَافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) [الأنعام: 15]، والملائكة: (يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) [النحل: 50].
وعن أبي ذر - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((إني أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون، أطت السماء وحُق لها أن تئط ـ أطت السماء أي أثقلتها الملائكة من كثرتها حتى أطت، والأطيط أصوات الإبل ـ أطت السماء وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجداً لله، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً، وما تلذذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله))، أي ولخرجتم إلى الطرقات ترفعون أصواتكم وتستغيثون.
فالخوف من الله إخوة الإسلام هو الذي يمنع العبد من المحظورات، ويقمع الشهوات، ويكدر اللذات، وتتأدب به الجوارح، وينصلح به القلب، فيذل ويستكين، ويفارقه العجب والكبر والأفكار الفاسدة والشهوات الآثمة، وينظر في خطر العاقبة ويحذر سوء الخاتمة.
لكن قلوبنا قست وغفلت عن الخوف من الله، وتهاونت في تعظيم حدوده وأوامره ونواهيه؛ لأنها امتلأت بما يفسدها من الأرجاس والأنجاس والباطل واللغو، فأصبحت مرتعاً لكل ما يجلب لها القسوة والفظاظة، فماذا ننتظر من قلوب أعرضت عن ذكر الله وسماع كلامه وأقبلت على كل مضل وكل تافه؟! ماذا ننتظر من قلوب لا نصيب لها في سماع كلامه - جل وعلا - وتلاوة كتابه وانكبَّت على سماع المعازف والألحان وما يصحبه من الفسق والعصيان؟! ماذا ننتظر من قلوب لا حرص لها على تصفّح كتابه - تعالى -وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وصار هواها الانهماك في تصفح أخبار الفن واللهو؟!
ماذا ننتظر من قلوب لم تطلب صحبة أهل العلم والخير وركنت إلى صحبة أهل اللهو واللغو؟!
ماذا ننتظر من قلوب لم تتوجه لسماع كلام الدعاة والعلماء والمصلحين وراحت تتبع كل ناعق أفّاك وتستمع لكلامه في تشويه الدعاة والتنفير من الالتزام بالدين الحق؟! (وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِـمِينَ) [التوبة: 47].. ماذا ننتظر من مثل هذه الأفئدة؟! وهل يبقى فيها مجال للخوف من الله واليوم الآخر؟! يقول - جل وعلا -: (وَلِتَصْغَى إلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ) (أي إلى إفك أهل الباطل وافترائهم) (وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ) [الأنعام: 113].
إذن، فنحن الذين نجلب بأنفسنا لقلوبنا ما يفسدها ويصيبها بالقسوة والجمود، وما يزيل عنها خوفها من خالقها - جل وعلا -.
إذن فالخوف من الله - جل وعلا - الركن الأول لتقواه.
أما الأمر الثاني: فهو العمل بالتنزيل، أي العمل بالقرآن والشرع الذي أنزله الله - جل وعلا -، وتلك هي القضية الكبرى التي دارت حولها الخصومة العظيمة بيننا وبين من يعادينا أو يخالفنا من أهل الباطل، حيث اجتمعت كلمة الكفر والنفاق في مشارق الأرض ومغاربها على منع أهل الإسلام من العمل بالتنزيل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
كبر عليهم أن نحيا بالإسلام ونعمل بالقرآن، كبر ذلك وعظم على الملحدين وعلى الوثنيين وعلى المشركين وعلى العَلمانيين وعلى المفسدين المائعين.
كبر عليهم أن نقول نريد أن نعمل بالإسلام الذي أنزله الله - جل وعلا -، نريد أن نحيا بديننا الإسلام كما أراده الله - عز وجل -، لا كما تريده أمريكا ولا كما تريده أوروبا ولا كما يريده العَلمانيون الذين يفصلونه عن الحياة، ولا كما يريده المفسدون المائعون الذين يجرّدونه من كل معنى ومن كل تشريع وكل أمر وكل نهي، إنما نريد أن نحيا بالإسلام الذي أراده الله ورسوله، وأن نعمل بالقرآن الذي أنزله الله - عز وجل - على رسوله، تلك هي قضيتنا، وذاك مطلبنا، وتلك هي بغيتنا، وهذا هو مقصودنا.
وواهمٌ من يظن أن العمل بالتنزيل يمكن أن يتحقق بصورة فردية، فيعمل كل إنسان في نفسه بالتنزيل بعيداً عن الآخرين، كلا والله، ففي الإسلام شرائع وأحكام ذات علاقة بأكثر من طرف لا يتحكم فيها طرف بمفرده، شرائع لمجتمع ونظام لا لشخص بمفرده، ومن ثم فلا بد أن يقرر المجتمع جملة العمل بالتنزيل.
إن العمل بالتنزيل هو القضية التي من أجلها أُريقت دماء وبُذلت في سبيلها الجهود والتضحيات، وها هو رمضان يأتي على أمة الإسلام والأرض مخضبة بالدماء التي تسيل من جرح الإسلام النازف في بقاع شتى من الأرض، وحسبك دماء المسلمين التي تراق في الشام، ومشرّدون لم تلامس قلوبهم فرحة رمضان، وثكالى لن يجدن من بعده طعماً لعيد، ومعذبون لن يعلم بمكانهم عيد، والعمل بالتنزيل في ذلك كله هو محور الصراع، ومبعث التضحيات (وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إلاَّ أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْـحَمِيدِ)[البروج: 8].. وتحاك المؤامرات وتستمر ولا تنتهي لتركيع المسلمين لأعدائهم ومحو أي أثر للعمل بالتنزيل في أي بقعة من الأرض.
ومع ثقتنا العميقة بأن هذا الإسلام العظيم الذي أراد الله - جل وعلا - أن يحرر به الإنسان، كل الإنسان في كل زمان وفي كل مكان، مع ثقتنا بأنه سينتصر بإذن الله وستعلو كلمة الله؛ إلا أن ذلك لا يعفينا من المسؤولية تجاه هذا الدين؛ من العمل لنصرته والذود عن شريعته، فقضية الإسلام وشريعته ليست قضية فلان من الدعاة أو سين من الجماعات، إنما هي قضيتكم جميعاً يا أهل الإسلام.
فالخطب أكبر من لهو نقارفه *** والأمر أكبر من دعوى نناديها
ماذا نقول لربي حين يسألنا *** الشريعة لم نحمي معاليها
ومن يجيب إذا قال الحبيب لنا *** أذهبتم سنتي والله محييها
إن لم نردها لدين الله عاصفة *** سيذهب العرض بعد الأرض نعطيها
إذاً لا تتحقق التقوى إخوة الإسلام التي هي وصية الله للأولين والآخرين، إلا بالعمل بالتنزيل، وأن نتبنى جميعاً ـ كل واحد منا ـ هذه القضية ونفكر من أجلها ونسعى في سبيلها.
أما الأمر الثالث الذي تقوم عليه تقوى الله - جل وعلا - فهو: الرضا بالقليل، وإنه والله لأمر يصعب علينا حتى لا يكاد يتحقق به أحد، حتى العالم الفاضل والداعية الناصح.
فالقلوب - مع الأسف - يغلب عليها الطمع في المزيد والاستكثار من حطام الدنيا، لا لإنفاقه في سبيل الله ونصرة دينه، لكن لمجرد تحقيق شهوة امتلاك الكثير ولعدم الرضا بالقليل، وإن تطلعنا إلى الكثير لهو الذي يقعدنا عن كثير من البذل والتضحية ومواصلة الطريق، ويفقدنا كثيراً من الصبر والثبات، فالدنيا فتنة وبلاء، والسعيد القوي من زهده الله فيها، وإذا أردت أن لا تغتم فلا تملك ما به تهتم، فالمؤمن لا يأبه أن تكون الدنيا لغيره إن حصلت له الآخرة.
قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: دخلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو مضطجع على حصير، فجلست، فأدنى عليه إزاره وليس عليه غيره، وإذا الحصير قد أثر في جنبه، فنظرت ببصري في خزانة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإذا أنا بقبضة من شعير قال: فابتدرت عيناي ـ أي بالبكاء ـ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (ما يبكيك يا ابن الخطاب؟). قال: يا نبي الله وما لي لا أبكي، وهذا الحصير قد أثر في جنبك، وهذه خِزانتك لا أرى فيها إلا ما أرى، وذاك قيصر وكسرى في الثمار والأنهار، وأنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصفوته وهذه خِزانتك. فقال: (يا ابن الخطاب ألا ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا؟) قلت: بلى.
وهذا سلمان - رضي الله عنه - يبكي عند موته ويسأل عن ذلك فيقول: عهد إلينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يكون زاد أحدنا كزاد الراكب. وحولي كل هذه الأزواد. وإنما كان حوله جفنة وإجانة ومطهرة.
فإذا كان هذا حال نبيك وحال صحابته، فمن أنت حتى تريد أن تعيش كالملوك أو الأكاسرة والقياصرة؟ وإذا كان التطلع للكثير وعدم الرضا بالقليل قبيحاً في حق المسلمين عامة، فهو أقبح وأرذل في حق الداعية وطلاب العلم، وتصبح مصيبة إذا ترك الدعاة وطلبة العلم التنافس في العلم والعبادة والدعوة ونافس بعضهم بعضاً في الاستكثار من الدنيا وحطامها، والإحاطة بزخارفها وفضولها، نسأل الله السلامة والعافية من فتنة السراء والضراء، ورحم الله الإمام أحمد إذ يقول: من علامة إخلاص العالم في علمه أنه كلما ازداد علماً ازداد في الدنيا زهداً وقلَّت أمتعة داره.
ولما مرض الإمام النووي - رحمه الله - مرضه الذي مات فيه ورجع من الشام إلى نوى بلده، لم يجدوا له متاعاً يحملونه إلى أمه سوى العكاز والإبريق.
أما اليوم فتجد أحدنا لا يريد الاجتهاد في عبادة ولا علم ولا طاعة ولا دعوة إلا بعد أن يحصل له من الدنيا كذا ويجد من وسائل الراحة ونعومة العيش كذا وكذا، وكل ذلك من فساد القلوب وقلة التقوى، وأذكر نفسي وإياك أخا الإسلام بقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((من بات معافى في بدنه آمناً في سربه عنده قوت يومه فقد حيزت له الدنيا بحذافيرها)).
ومر أحدهم برجل أعمى مقطوع الأطراف يلهج بذكر الله وحده وشكره فعجب من ذلك وسأله فقال: أحمد الله أن وهب لي لساناً ذاكراً وقلباً شاكراً وبدناً على البلاء صابراً.
نسأل الله - عز وجل - أن يعيننا على شكره والرضا بما يقسمه لنا.
وأما الأمر الأخير الذي تقوم عليه التقوى فهو الاستعداد ليوم الرحيل عن الدنيا إلى الآخرة.
يوم مفارقة هذه الدار والقدوم على الواحد القهار، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، يوم تبلى السرائر، يوم يتذكر الإنسان ما سعى، وبرزت الجحيم لمن يرى.
يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه.
يقول الإنسان يومئذ أين المفر، كلا لا وزر، إلى ربك يومئذ المستقر. يوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلاً، يا ويلتي ليتني لم أتخذ فلاناً خليلاً، لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولاً. يوم يأتيهم العذاب فيقول الذين ظلموا ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل أو لم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال، وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال. فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله إن الله عزيز ذو انتقام. يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا لله الواحد القهار. وترى المجرمين يومئذ مقرنين في الأصفاد وسرابيلهم من قطران وتغشى وجوههم النار، ليجزي الله كل نفس ما كسبت إن الله سريع الحساب.
يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد.
يوم مشهود، يوم عظيم، يوم يقوم الناس لرب العالمين، يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً والأمر يومئذ لله، يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية.
إنه الاستعداد لهذا اليوم، نقبل عليه من خلال الموت: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْـمَوْتِ وَإنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْـجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْـحَيَاةُ الدُّنْيَا إلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ) [آل عمران: 185].
ثم بماذا تستعد ومتى تستعد؟ هل تستعد بالتفريط في جنب الله؟ هل تستعد بجمع حطام الدنيا؟ هل تستعد لذلك اليوم بالاستهزاء بالدين وأهله، بماذا تستعد؟
الجواب معروف لكننا نراوغ ونخدع أنفسنا ونتبع أهواءنا، ومتى تستعد؟ والله لا يضمن أحدنا إذا خرج من بيته أن يرجع إليه، وإذا طلع عليه نهار يوم أن يجن عليه ليله.. فكن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل، وعدَّ نفسك من أهل القبور، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك، فإنك لا تدري يا عبد الله ما اسمك غداً.
فيا ويح نفس من نهار يقودها *** إلى عسكر الموت وليل يذودها
نسير إلى الآجال في كل لحظة *** وأيامنا تطوي وهن مراحل
ولم أر مثل الموت حقاً كأنه *** إذا ما تخطته الأماني باطل
وما أقبح التفريط في زمن الصبا *** فكيف به والشيب للرأس شاملا
ترحل من الدنيا بزاد من التقى *** فعمرك أيام وهن قلائل
قال بعض السلف: ما نمت يوماً قط فحدثت نفسي أني أستيقظ منه.
وما أدري وإن أملت عمراً *** لعلي حين أصبح لست أمسي
ألم تر أن كل صباح يوم *** وعمرك فيه أقصر منه أمس
فكم من مُستقبِل يوماً لا يستكمله، وكم من مؤمل لغد لا يدركه، إنكم لو رأيتم الأجل وسيره لأبغضتم الأمل وغروره، ورحم الله عون بن عبد الله إذ يقول: إن من أنفع أيام المؤمن في الدنيا ما ظن أنه لا يدرك آخره.
تلك إخوة الإسلام الأمور العظام التي تجمع معنى التقوى: الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والرضا بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل.
هذه هي التقوى التي يقودنا لها الصيام، جعلني الله وإياكم من المتقين.

eddirasa-dz
black wow
black wow

عدد المساهمات : 200
نقاط النشاط : 601
التقييم : 1
تاريخ التسجيل : 15/06/2015

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى

  • © phpBB | منتدى مجاني | منتدى مجاني للدعم و المساعدة | إتصل بنا | التبليغ عن محتوى مخالف | احدث مدونتك مجانيا
    الساعة الأن :