قال الله سبحانه وتعالى: {وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} النُّور:31، التّوبة أوّل واجب للمسلم للاستعداد لصوم شهر رمضان الفضيل، وﻷنّ اﻷصل في المؤمن تجديد التّوبة في كلّ وقت وآن، قدوته في ذلك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقد كان يستغفر ربّه ويتوب إليه في اليوم أكثر من مئة مرّة.
نُجدِّد التّوبة قبل حلول شهر رمضان استعدادًا للجدّ في العبادة والاجتهاد في القيام وقراءة القرآن الكريم وتلاوته وحفظه ومختلف الأذكار والأوراد والبذل في أعمال الخير والمعروف.. نجدّدها ﻷنّ التّوبة منزلة عليّة مَن بلغها فقد بلغ الخير كلّه، يقول العلاّمة ابن القيم رحمه الله عن التّوبة “وهي أوّل منازل السّائرين إلى ربّهم وأوسطها وآخرها”. وهي ليست منزلة العُصاة المجرمين بل هي منزلة اﻷنبياء المصطفين عليهم السّلام، قال الله سبحانه وتعالى: {وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى * ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبَّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى}.
قال الإمام الرّازي رحمه الله “واعلم أنّ الأنبياء عليهم السّلام كلَّهم طلبوا المغفرة، أمّا آدم عليه السّلام فقال: {وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} الأعراف:23، وأمّا نوح عليه السّلام فقال: {وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي} هود:47، وأمّا إبراهيم عليه السّلام فقال: {وَالَّذِى أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ} الشّعراء:82، وطلبها لأبيه: {سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِي} مريم:47، وأمّا يوسف عليه السّلام فقال في إخوته: {لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ} يوسف:92، وأمّا موسى عليه السّلام فقال: {رَبّ اغْفِرْ لِي وَلأَخِي} الأعراف:151، وأمّا داود عليه السّلام: {فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ} ص:24، أمّا سليمان عليه السّلام: {رَبّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا} ص:35، وأمّا عيسى عليه السّلام: {وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} المائدة:118. وأمّا محمّد صلّى الله عليه وسلّم فقيل له: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} محمّد:19، وأمّا الأمَّة فقوله: {وَالَّذِينَ جَاءوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوانِنَا} الحشر:10”.
يقول النّبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم: “يا أيّها النّاس توبوا إلى الله واستغفروه فإنّي أتوب إليه في اليوم مائة مرّة” أخرجه مسلم من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، وفي لفظ البخاري “والله إنّي لأستَغْفِرُ الله وأتوبُ إليه في اليوم أكثر من سبعين مرّة” أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. قال حجّة الإسلام أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى “كان صلّى الله عليه وسلّم دائم الترقّي، فإذا ارتقى إلى حال رأى ما قبلها دونها، فاستغفر من الحالة السّابقة، وهذا مفرع على أنّ العدد المذكور في استغفاره كان مفرقًا بحسب تعدّد الأحوال”.
واعلم أنّ فضل التّوبة كبير، وأعظمه أنّها سبب لمحبّة الله تبارك وتعالى للعبد. قال جلّ وعلا فى الحديث القدسي الّذي رواه الإمام البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، يقول تعالى “مَن عادى لي وَلِيًا فقد آذنته بالحرب، وما تقرَّب إليّ عبدي بشيء أحبَّ إليّ ممّا افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنّوافل حتّى أحبّه، فإذا أحببته كنتُ سمعه الّذي يسمع به وبصره الّذى يبصر به، ويده الّتي يبطش بها، ورجله الّتي يمشي عليها، ولئن سألني لأعطينّه ولئن استعاذني لأعيذنّه”.
وانظر إجابة سيّد الخلق عليه الصّلاة والسّلام لمَن أحبَّه الله عزّ وجلّ: “إِنَّ اللهَ إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فقال: إِنِّي أُحِبُّ فُلانًا فَأَحِبَّهُ. فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، ثمّ يُنَادى في السّماء: إِنَّ اللهَ يُحِبُّ فُلانًا فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، ثمّ يَضَعُ له القَبُول في الأرضِ فيُحِبُّهُ أَهْلُ الأَرْضِ”. فلو أحَبَّك مسؤول سَعدتَ في دنياك، فكيف لو أحبَّك مَن بيده الدّنيا والآخرة، ستسعد لا محالة في الدُّنيا وفي الآخرة.